اسماعيل بن محمد القونوي
28
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يتحمل مشاق التكاليف والفائدة من تصديق الرسول عليه السّلام تحمل التكاليف التي بلغها إليهم متوقعا في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها وهو النعم الباقية في الآخرة فلا جرم أن من أنكر الآخرة لا يصدق النبي فتكذيبهم الساعة سبب لتكذيب الرسول عليه السّلام فيكون هذا أعجب من ذلك كما في الأول ولما كان قولهم المذكور مشعرا « 1 » بتكذيب الرسول عليه السّلام فكان هذا القول ترقيا من هذا التكذيب إلى تكذيب الساعة . قوله : ( لا لما تمحلوا من المطاعن الفاسدة ) فإن المطاعن الفاسدة سببها تكذيبهم الساعة كما عرفته فإنكارهم الساعة سبب لهما فلا يكون المطاعن سببا لتكذيب الرسول عليه السّلام فإنه ليس بأولى من عكسه والقصر مستفاد من الفحوى إذ المتبادر من السبب السبب التام فلما كان تكذيب الساعة سببا لتكذيب الرسول عليه السّلام انتفى عنه أي عما تمحلوا وهذا ينافي ما ذكر في تفسير قوله تعالى في سورة الإسراء وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى [ الكهف : 55 ] الآية والمعنى أنه لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد والقرآن إلا إنكارهم أن يرسل اللّه بشرا فإنه حصر سبب الإنكار على إنكارهم أن يرسل اللّه بشرا رسولا إذ الجمع بين الحصرين مشكل التمحل التكلف في استعمال الحيلة في توجيه الكلام وتصحيح المقام وهذا ليس بمذموم في توجيه الكلام بل ربما كانت ممدوحة وأما التمحل في مثل هذه المطاعن فمذموم جدا . قوله : ( أو فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب وكيف يصدقونك بما وعد اللّه « 2 » لك في الآخرة ) أو فكيف يلتفتون الخ فحينئذ يكون متصلا بقوله : تَبارَكَ [ الأعراف : 54 ] كأنه قيل بل كذبوا بالساعة فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب وكيف يصدقون بمثل ما وعدك اللّه تعالى في الآخرة وهم لا يؤمنون بالآخرة كذا في الكشاف فحينئذ يكون معطوفا على تبارك كذا قيل والأظهر أنه عطف على محذوف متصل بتبارك والمعنى لا يلتفتون إلى هذا الجواب بل كذبوا كما نبه عليه الشيخان والترقي من عدم التفات هذا الجواب إلى بيان أنهم لا يؤمنون بالآخرة رأسا . قوله : ( أو فلا تعجب من تكذيبهم إياك فإنه أعجب منه ) أو فلا تعجب الخ فيكون إضرابا معطوفا على ما حكي عنهم كما في الأولين والأولى عدم الفصل بالوجه الثالث وجه الأعجبية أنهم أنكروا الساعة الذي هو سبب لإنكار الرسالة فإن من صدق الآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبي والكتاب كذا بينه المص في تفسير قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ الأنعام : 92 ] الآية فإنكار السبب أعجب من إنكار المسبب ومغايرة هذا الوجه للوجه الثاني هي أنه لوحظ هنا
--> ( 1 ) وهذا إشارة إلى الفرق بين الوجهين إذ الأول ترق من القول المذكور وحكايته إلى التكذيب والثاني ترق من تكذيب الرسول عليه السّلام المنفهم من قولهم إلى تكذيب الساعة . ( 2 ) قوله بما وعد اللّه لك الخ هذا على تقدير كون ويجعل لك قصورا مستأنفا بوعد ما يكون له في الآخرة فلا ينافي قوله جعل لك في الدنيا .